كمال الدين دميري

127

حياة الحيوان الكبرى

وذكر ابن خلكان أن موسى بن نصير ، أمير بلاد المغرب ، وفد على الوليد بن عبد الملك ، بعد أن فتح الغرب ، إلى البحر المحيط إلى طليطلة ، التي تحت بنات نعش ، فأخبره بالفتح ، وقدم معه بمائدة سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام ، التي وجدت في طليطلة ، وكانت مصوغة من الذهب والفضة ، وعليها طوق لؤلؤ وطوق ياقوت وطوق زمرد ، وكان قد حملها على بغل قوي ، فما سار إلا قليلا حتى تفسخت قوائمه لعظمها ، وقدم معه أيضا بتيجان ملوك اليونان ، مكللة بالجواهر ، وثلاثين ألف رأس من الرقيق . قال : وكان اليونان ، وهم أهل الحكمة ، يسكنون بلاد المشرق قبل الإسكندرية ، فلما ظهرت الفرس وزاحمت اليونان على ما بأيديهم من الممالك ، انتقلوا إلى جزيرة الأندلس ، لكونها طرفا من آخر العمارة ، ولم يكن لها ذكر ، ولا ملكها أحد من الملوك المعتبرة ، ولا كانت عامرة كلها ، وكان أول من عمرها واختط فيها اندلس بن يافث بن نوح عليه السلام ، فسميت باسمه ، ولما عمرت الأرض بعد الطوفان ، كانت صورة المعمور منها عندهم على شكل طائر رأسه المشرق ، وذنبه المغرب ، وجناحاه الشمال والجنوب ، وبطنه ما بينهما ، فكانوا يزدرون المغرب لنسبته إلى أخس أجزاء الطائر . وكان اليونان لا يرون فناء الأمم بالحروب ، لما فيه من الأضرار والاشتغال عن العلوم ، التي أمرها عندهم أهم الأمور ، فلذلك انحازوا من بين يدي الفرس إلى الأندلس ، فعمروها وشقوا أنهارها ، وبنوا المعاقل ، وغرسوا الجنان والكروم ، وملئوها حرثا ونسلا ، فعظمت وطابت ، حتى قال قائلهم ، لما رأى بهجتها : إن الطائر الذي صورت العمارة على شكله ، وكان المغرب ذنبه ، كان طاوسا ، لأن معظم جماله في ذنبه . ولما كملت اليونان عمارة جزيرة الأندلس ، جعلوا دار الحكمة والملك فيها مدينة طليطلة ، لأنها وسط البلاد . قيل : إن الحكمة نزلت من السماء على ثلاثة أعضاء : على أدمغة اليونان ، وأيدي أهل الصين ، وألسنة العرب . وفي كفاية المعتقد لشيخنا الإمام العارف جمال الدين اليافعي رحمه اللَّه ، أن الشيخ العارف باللَّه تعالى عمر بن الفارض رحمه اللَّه تعالى ، دخل في أيام بدايته مدرسة بديار مصر ، فوجد شيخا بقالا يتوضأ من بركة ماء فيها بغير ترتيب ، فقال له : يا شيخ ، أنت في هذا السن ، وفي مثل هذا البلد ، ولا تحسن الوضوء ! فقال له : يا عمر ما يفتح عليك بمصر ! فجاء إليه وجلس بين يديه وقال : يا سيدي ففي أي مكان يفتح علي ؟ قال : بمكة ، فقال له : يا سيدي وأين مكة ؟ فقال له : هذه وأشار بيده نحوها فكشف له عنها ، وأمره الشيخ بالذهاب إليها في ذلك الوقت فوصل إليها في الحال ، وأقام بها اثنتي عشرة سنة ففتح عليه ، ونظم فيها ديوانه المشهور ، ثم بعد مدة سمع الشيخ المذكور يقول : تعال يا عمر احضر موتي ! فجاء إليه ، فقال : خذ هذا الدينار فجهزني به ، ثم احملني وضعني في هذا المكان ، وأشار بيده إلى مكان في القرافة ، وهو الموضع الذي دفن فيه ابن الفارض « 1 » ، ثم انتظر ما يكون من أمري . قال : فعانيته ولم أزل معانيا له ، حتى فرغت من

--> « 1 » ابن الفارض : عمر بن علي بن مرشد بن علي ، الحموي الأصل ، المصري المولد والدار والوفاة متصوف شهير وشاعر . مات سنة 632 ه .